عماد الدين الكاتب الأصبهاني
مقدمة 91
خريدة القصر وجريدة العصر
تضمن نواصع الدرر تارة ثانية ، وبالدهر يأتي بعجائب العبر تارة ثالثة . ويمضي في هذا النحو من الافتنان باصطياد التشبيهات حين يريد أن يصف ما ضمّنه كتابه من فنون المعاني وأصناف الفوائد والفرائد ، فإذا هو يجشد لذلك طائفة من النعوت - في الجمل المجانة المسجوعة مما كان يستمرئه ذوق عصره - قد تنبو عنها أذواقنا على طرافتها أحيانا ، ولا تكاد تجدها ذوات مدلولات معقولة ؛ لأنّها لا تعيّن حدودا ، ولا ترسم صورة ، ولا توضّح عرضا . * * * وأحسب أنّ رضى العلماء والأدباء عن « الخريدة » وإعجابهم جميعا بها ، لا يقلّ عن رضى المؤلف وإعجابه . ولعلّ رضاهم عنها يكاد يكون إجماعيّا ؛ إذ سجلت تأريخا ضخما وديوانا عظيما لشعراء العربية وأدبائها في حقبة طويلة الأمد ، وأتاحت للباحثين الموغلين في دراسات العصور الأدبيّة ثروة تأريخيّة وشعريّة لا تقدر بثمن . * * * وقد نجد في بعض الآثار شيئا من السخط على الكتاب والزراية به ، مرويّا في خبر ماجن سوقيّ الأسلوب يضاف إلى القاضي الفاضل ، ضمّن بيتين من الشعر معزوّين إلى ابن سناء الملك الشاعر المصري المشهور نال بهما من المؤلّف والكتاب . وقد روى هذا الخبر صلاح الدين الصفدي المتوفّى سنة 764 ه ، في « الوافي بالوفيات » ، وحكاه بصيغة التمريض فقال : « ويقال إنّه - أي العماد - لمّا فرغ منها - أي الخريدة - ، جهزها إلى القاضي الفاضل في ثمانية أجزاء . فلمّا وقف عليها ، ما أعجبته ، وقال : أين الآخران ! لأنّه قال « خري ده » ، يعني خري عشرة ؛ لأنّ « ده » بالعجمي عشرة » . ثم قال : « ومن هنا أخذ ابن سناء الملك قوله فيها :